سيد قطب

2072

في ظلال القرآن

نتاجا طبيعيا للتبليغ الصحيح لا محالة : « وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ ، وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً » . . هذا هو الطريق . . . وليس هنالك غيره من طريق ! ثم نقف من السورة أمام معلم آخر ، وهي تقرر كلمة الفصل في العلاقة بين اتجاه « الإنسان » وحركته وبين تحديد مآله ومصيره ؛ وتقرير أن مشيئة اللّه به إنما تتحقق من خلال حركته بنفسه ؛ وذلك مع تقرير أن كل حدث إنما يقع ويتحقق بقدر من اللّه خاص . . ومجموعة النصوص الخاصة بهذا الموضوع في السورة كافية بذاتها لجلاء النظرة الإسلامية في هذه القضية الخطيرة . . وهذه نماذج منها كافية : * « إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ ، وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ ، وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ » . . * « لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى ، وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ ، أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ ، وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ » . . * « قُلْ : إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ . الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ ، أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ » . . * « أَ فَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً ؟ ! » . . * « بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ ، وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ » . . وواضح من النص الأول من هذه النصوص أن مشيئة اللّه في تغيير حال قوم إنما تجري وتنفذ من خلال حركة هؤلاء القوم بأنفسهم ، وتغيير اتجاهها وسلوكها تغييرا شعوريا وعمليا . فإذا غير القوم ما بأنفسهم اتجاها وعملا غير اللّه حالهم وفق ما غيروا هم من أنفسهم . . فإذا اقتضى حالهم أن يريد اللّه بهم السوء مضت إرادته ولم يقف لها أحد ، ولم يعصمهم من اللّه شيء ، ولم يجدوا لهم من دونه وليا ولا نصيرا . فأما إذا هم استجابوا لربهم ، وغيروا ما بأنفسهم بهذه الاستجابة ، فإن اللّه يريد بهم الحسنى ، ويحقق لهم هذه الحسنى في الدنيا أو في الآخرة ، أو فيهما جميعا ، فإذا لم يستجيبوا أراد بهم السوء ، وكان لهم سوء الحساب ، ولم تغن عنهم فدية إذا جاءوه - غير مستجيبين - يوم الحساب ! وواضح من النص الثاني أن الاستجابة أو عدم الاستجابة راجعة إلى اتجاههم وحركتهم ؛ وأن مشيئة اللّه بهم إنما تتحقق من خلال هذه الحركة وذلك الاتجاه . أما النص الثالث فإن مطلعه يتحدث عن طلاقة مشيئة اللّه في إضلال من يشاء . ولكن عقب النص : « وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ . . . إلخ » يقرر أن اللّه - سبحانه - يقضي بالهدى لمن ينيب إليه ؛ فيدل هذا على أنه إنما يضل من لا ينيب ومن لا يستجيب ، ولا يضل منيبا ولا مستجيبا . وذلك وفق وعده سبحانه في قوله : « وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا » . فهذه الهداية وذلك الإضلال هما مقتضى مشيئته سبحانه بالعباد . هذه المشيئة التي تجري وتتحقق من خلال تغيير العباد ما بأنفسهم ، والاتجاه إلى الاستجابة أو الإعراض . والنص الرابع يقرر أن اللّه لو شاء لهدى الناس جميعا . . وفي ظل مجموع النصوص يتضح أن المقصود هو أنه لو شاء سبحانه لخلق الناس باستعداد واحد للهدى ، أو لقهرهم على الهدى . ولكنه - سبحانه - شاء أن